فقاعة الشركات الناشئة

كان يا ما كان، كان هناك رجل يجمع بعرًا جافًا من فيافي الصحراء، يرش عليه بودرة الكاكاو ثم يغلفه بإتقانٍ لا يليق إلا بالبضاعة الثمينة. ثم يهتف لبيع منتجه:
"أنا أبيع حبّ الفهّامى … والفهيم يفهم!"…
يبيع كثيرا في البداية ولا يلبث حتى ينكشف سره ويطرده عملاء السوق قبل تجاره …
شركات ناشئة تملأ الدنيا ضجيجًا، ترفع شعارات مثل الرايات، وتنفق على التسويق أكثر مما تنفق على تطوير منتج يلائم السوق، وتستعرض بهتاف عصري: «نحن نبيع منتج المستقبل… والخبير يفهم!»
غير أنها لم تكن تقدم إلا منتجًا لا يريد أحد اقتناءه، ولا يجد له السوق بابًا يدخل منه. ومع ذلك، تكابر ويتملكها الغرور … وتحرق أموال المستثمرين في الحملات الإعلانية، لتحدث ضجيجا كافيا ليصنع حاجة لم تولد بعد، وتتكلف في الغلاف (القشور) عساه أن يزرع حياة في منتج ولد ميتا.
⸻
ولكي تكتمل السخرية، يدخل المشهد مستثمر تلو الآخر كل منهم ينخدع بالضحية التي قبله، بطموح يسبق البصيرة. يقابل الشركة الناشئة لتقييم الوضع، يعرض عليه المؤسس أرقاما تنبؤية لا تفلح حتى العرافة المتمرسة في ابتكارها. ينبهر المستثمر بما لا معنى له،
ويوقع العقد كما كتب العشّاق قصائدهم الأولى، ويمضي مزهوًا بأنه فهم ما لا يفهمه غيره، مقتنعا أن العوائد على استثماره ستبلغ حتى مائة ضعف. كيف لا وقد أقنعه المؤسس بأن سنوات قليلة ستضع شركته الناشئة في مصاف الشركات المليارية 🦄يونيكورن.
وعلى غرار المستثمرين ينخدع عشرات الموظفين بهراء ما يسمى خطة تملك الموظفين للأسهم (ESOPs) — الكذبة الأكبر في عالم الشركات الناشئة — والوعود الزائفة بأنهم شركاء في هذه الشركات وأن قيمة هذه الحصص ستصل إلى أرقام من 6 أصفار!
التاريخ — كما جرت العادة — يعيد نفسه 🔄
انكشفت القشرة المذهبة، وظهر تحتها البعر التي لا تُصلحه الأغلفة الفاخرة، ولا تنقذه نعوت مثل “سويسري” أو “بلجيكي”. فما تحت الغلاف… هو نفس البعر.
⸻
🦧 وهكذا، يا صاحبي، يتردد صدى القصة بعبرة مفادها:
أن من لا يملك منتجًا حقيقيًا لن ينقذه صوت صاخب، ومن لا يخدم حاجة العملاء في أي سوق لن تصنع له الحاجة الملايين التي ينفقها على الإعلانات، وأن البعر… يبقى بعرًا، حتى لو غُلِّف بورق شوكولاته فاخر، وحتى لو اصطف الحمقى لشرائه في طوابير طويله.
⸻
القصة من جدتي رحمها الله برواية مختلفة (تصرفت بها) ليصبح إسقاطها على الواقع أسهل.
